أبي منصور الماتريدي

285

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

العبيد والأحرار فيها ، فيجب أن تقبل شهادتهم ، لكنها لم تقبل للوجوه التي ذكرناها . واللّه أعلم . وقوله تعالى : فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ ، إلى أن قال : فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى : قد ذكرنا فيما تقدم أنهن لما جبلن وطبعن على فضل سهو وغفلة ، ضمت إليها أخرى لتذكرها الشهادة إذا نسيت . وفي الآية دلالة أن الرجل إذا نسي الشهادة ، ثم ذكر فتذكر ، يجوز أن يشهد . وأما إذا أخبر بالشهادة ولم يتذكر ، لم يجز له أن يشهد ؛ لقوله : فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ، إذ لم يقل : « فتخبر إحداهما الأخرى » . وقوله تعالى : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ : فيه دلالة أن من المسلمين من لا يكون مرضيّا ، وكذلك فيهم من يكون عدلا ومن لا يكون عدلا ، دليله قوله تعالى : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [ الطلاق : 2 ] ، لأنه لو لم يكن فيهم مرضيا وغير مرضى لكان يقول : « وأشهدوا رجلين منكم » ، ولم يشترط فيه العدالة والرضاء . وهو على المعتزلة ؛ لأنهم يقولون : المسلم لا يكون غير عدل ولا غير مرضى . وفي الآية التي ذكرنا دلالة ما قلنا . واللّه أعلم . وفي قوله : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ، دلالة أن الشهود إذا شهدوا على المدعى عليه بالحق ، وهم مرضيون عنده ، يجب أن يؤدى إليه حقه ؛ لأنا قلنا : إن قوله : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ، أمر باستحضارهم عند الحاكم ، فإذا كان كذلك فهو دليل ما قلنا . واللّه أعلم . وقوله تعالى : وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا : اختلف فيه : قيل : وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا للإشهاد . وقيل « 1 » : لا يأبوا إذا ما دعوا للأداء . وهذا أشبه ؛ لأن للشهود أن يقولوا : أحضر الخصم هاهنا لتشهدنا عليه ، فإنا لا نحضر المكان الذي هو فيه . وليس هذا القول في الأداء ، إذ الأداء لا يكون إلا عند الحاكم ؛ لذلك كان أولى ، كقوله تعالى : وَلا تَكْتُمُوا

--> ( 1 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير عنه ( 6366 ) .